أخبار عاجلة

الإعصار المالي يَضربُ في الخليج

بدأت أوراق التوت التي حاول وزراء المال الخليجيين أن يُغَطُّوا بها الحقيقة الاقتصادية الكبرى تتساقط بصورة سريعة , تزامنت مع تبخر أرصدة النقاط لبورصات الخليج العربي، ومعها تتبخر عشرات المليارات من موجودات الطبقة الوسطى والمساهمات الصغيرة لذوي الدخل المحدود، ومبالغ ضخمة لشرائح مختلفة من التجار, وكان الاعتراف الأكبر في مستوى مَصْدَرِ التصريح، هو إشارة أمير الكويت إلى انعكاسات الأزمة المالية على خزينة الدولة، وضرورة أن يأخذ أعضاء مجلس الأمة ذلك بالاعتبار، مع تصاعُدِ الأزمة السياسية في الكويت .ثم بدأت التصريحات تباعًا بصورة تدريجية، حتى وصلت إلى حد الإقرار الضمني بالكارثة, وهذا التكتم رغم استحالته، ومعرفة ساسة الخليج بذلك، إلاّ أنَّ حكومات المنطقة رأتْ أنه من الضرورة ضبط حالة التوتر والقلق، مَنْعًا للاندفاع الهستيري لسحب العملاء ودائعهم من البنوك , وإن كانت القضية قد لا تصل لهذا المستوى، ولكنّ قلق العميل وارتباكه لا يتوقف على التطمينات العامة .والقضية الأبرز والسؤال الكبير، والذي طُُرح في صحافة الخليج- بتحفُّظٍ شديدٍ من أصحاب القرار- يعتبر خلاصة الموقف التقييمي لمستقبل المنطقة اقتصاديًّا ومن ثمّ سياسيًّا , للتَّدَاخُلِ الشديد بين الحالتين دوليًّا وإقليميًّا, هذا السؤال تركّزَ في الاستفسار عن معنى ضمان الودائع من قِبَلِ دول المنطقة , وزاد من حساسية هذا الطرح وضروراتِ تَجْلِيَته وقوعُ بنوكٍ فِعْلِيًّا، خلال دورة الانهيار الأخيرة، في الإعصار المالي الأسبوع الماضي, وإعلان أحدها في الكويت عن تَعَرُّضِه للانهيار الفعلي, في وقتٍ نقلت مصادر عديدة من كبار موظفي البنوك، عن حالات اضطراب كبرى، وانحسار للسيولة اجتاحتْ بنوكًا أخرى .وعودةً للسؤال: فالإشكال الرئيس أنّ الضمانات الْمُقَدَّمة من الساسة غير واضحة, خاصةً بأنّ جزءًا كبيرًا من ودائع البنوك منقولٌ في الأصل إلى أسواق المال العالمية، وهي حقيقةٌ اقتصادية، يُسَجِّلُها كل خبراء الاقتصاد، بل وموظفو البنوك , ومع تأَكُّد تعَرُّض تلك الاستثمارات الخارجية إلى نكبة اقتصادية عالمية, ترتّب عليها فقدانٌ مُؤَكَّدٌ لجزء كبير من ثرواتها، وتحديداً لدى البنوك والشركات الاستثمارية المختلفة , فكيف للدولةِ في الخليج أن تضْمَنَ هذه الودائع الضخمة، فضلًا عن ودائع الدولة ذاتها؟!هل المقصود في الضمان عوائد الدخل الوطنية، وحساباتها في البنوك, أم رواتب الموظفين وعموم حركة تدوير ميزانية الدولة , أم الحسابات الجارية والودائع الاستثمارية المحلية , المشكلة بأنّ ضمان كُلِّ ما تقدم لا يمنع من انهيار بعضِ تلك البنوك، وتَصَدُّع بعضها الآخر، لماذا ؟يحضرني في هذا الصدد قول أحد الباحثين، في محاضرةٍ له عن خطورة تسريب المال الوطني إلى البنوك الأمريكية أو الغربية عمومًا، وحينما عَرَضَ لنسبة هذه الأموال الكبيرة المرحّلة للخارج، والمودعة في البنوك الأجنبية، وتحت سلطتهم, بما يُشْبِهُ نقض الاستقلال الوطني وخيانته بحسب تعبير الباحث.ووَفْقًا لنظام حركة المال المصرفي في الغرب، المعروف بأنه يعتبر هذه الخزائنَ من الأموال في رؤيته السياسية الاستراتيجية، وحركة تنقلها، أو استردادها هو جزء من قراره السيادي, وهذا يبرز لنا حجم هذه الكارثة , وهذه القضية ليست حديثة مُطلقًا، بل إنها وردت في حلقة النقاش التي جرت في قمة دول الجنوب والشمال 1982 م، حين طلب الملك فهد من الرئيس رونالد ريغان، أن تُقدّم الولايات المتحدة ضماناتٍ أكيدةً لدول الجنوب، حين تطلب سحب ودائعها لمصالحها الاقتصادية الوطنية، أو قرارها السيادي, ولقد أجاب ريغان المؤتمر بالاعتذار الواضح عن تقديم هذه الضمانات، وأوضح بكل جرأة بأن هذا القرار يَخْضَعُ لمصالح الأمن القومي الأمريكي .إذاً فمسألة الضمانات التي وعد بها الوزراء الخليجيون لا يمكن أن تشملَ هذه الحالة الاقتصادية السياسية, فضلا عن أنّ جزءًا كبيرًا من هذه المبالغ قد تَحَوَّل بالفعل إلى حسابات خسائر أسطورية، كيف يمكن أن تُسْتَعَاد؟وهذا يقودنا إلى الوقوف على محاور تاريخية, تبدأ من حجم التفريط الذي دفع به الولاء للولايات المتحدة، لدى طبقة الخليج السياسية والاقتصادية العليا, وأين ساقت مستقبلَ ثرواتها الوطنية, في وقتٍ لو أَنْفَقَتْ فيه على مصالح الشعب وتنميته، بدلَ التسويف عليه؛ لكان خيرًا لها ولوطنها, أو أنها نقلتْ جزءًا من الثروة في استثماراتٍ فِعْلِيَّة في الأرض والمعادن في الوطن العربي، أو آسيا، وأمريكا اللاتينية, وهو الذي لطالما سَخِرَ منه ساسة الخليج، وقططه الاقتصادية السِمان، من عوائده الضعيفة، وضماناته المتعثرة، فسقاهم الغرب جرعةً تاريخيةً لا نعلم متى يستفيق منها الخليج، أو قل: إلى أين ستنتهي به سياسيًّا وليس اقتصاديًّا وحسب!زلزال سياسي يعقب الإعصارفي كل الأحوال، تَمُرُّ هذه الانتكاسة الاقتصادية التاريخية في خسائرها، واضطراب أسواقها، بمرحلةٍ حساسةٍ ومُعَقَّدَةٍ للأمن القومي الخليجي, تشهد صعود الجمهورية الإيرانية، والاضطراب المتوتر والمتراجع لنفوذ الولايات المتحدة, وفي نفس الوقت فإن كُلَّ مشاريع الإصلاح حتى الآن لم تَصِلْ إلى حالة استقرار وفاعلية مُطمئنة، أو مقنعة، لِلْحَدِّ الأدنى من الرأي العام, وفي المقابل هناك حركةُ تَذَمُّرٍ تاريخية ، شعبيًّا، من الأوضاع الاقتصادية، وغياب الشفافية في إدارة المال العام، ونزاهة توز

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

كسر الميكرفون‮ .. ‬أم كسر الإرادة الشعبية ؟

ثمة أمور يجب توضيحها، قبل الحُكم على مسألة كسر الميكرفون في جلسة مجلس النواب الأخيرة واللّغط الذي دار بشأنها، فتصحيح الفهم أمر واجب، والتركيز على القضايا الأساسية وحقوق الشعب مسؤولية الجميع، وهي الأمانة التي يجب أن نضعها نُصب أعيننننا نواباً أو مسؤولين أو صحافةً أو مواطنين.حري بنا كمواطنين مسؤولين بالدرجة الأولى عن حماية المال العام، أن نتساءل عن 500 مليون دولار خسائر تكبدتها الدولة، بل دفعها المواطن البحريني من دمه ولحمه وعصبه في شركة طيران الخليج، ومازال النزيف مستمراً؛ حيث تخسر الشركة 2